الفجر
29/09/2003, 10:28 AM
بعض البرامج التلفزيونية تظل تخرج لسانها للمشاهدين حتى يرجموها بالشتائم. البرنامج الشعري (نسايم ليل) الذي يبث مساء كل خميس على محطة الmbc من هذه النوعية من البرامج، وهو لا يكتفي باخراج لسانه بل برفع حواجبه. في البرنامج تتجمع على نحو غريب جميع سلبيات الساحة الشعرية الاعلامية والمتمثلة بالمجلات والامسيات والبرامج التلفزيونية والاذاعية الذهنية العشائرية في اكثر حالاتها نكوصاً وتقوقعاً، الفكر السطحي الشعبوي، الاستجداء، اللغة المتورمة، الشعر المكتظ بالالفاظ البراقة المجوفة والمتاجرة بالوجوه النسائية الجميلة ومؤخراً بدأ التوجه بشكل لا اخلاقي الى المراهقات (نهى نبيل، مثال، مقدمة برامج اطفال، تحولت بغمضة عين الى شاعرة، تتداول المجلات صور وجهها الطفولي المكسو بالاصباغ، واستضافها برنامج (نسايم ليل) مؤخراً، وبالتأكيد هي لا تقول شعراً جيداً، بل خواطر مراهقات).
كل هذه المثالب جمعتها المخرجة نجاح المساعيد وخلطتها في وعاء ثم طهتها لتقدم لنا في النهاية طبق (نسايم ليل) يبدو في خارجه شهياً إلا انك عندما تغرس يدك في الداخل ستجلب لفمك لقمة مثيرة للتقزز.
المسلسلات البدوية كانت تحاول ان تجسد البادية الحقيقة، إلا انها تمسخها في النهاية ويتحول الامر الى اضحوكة تضحك منها حتى العجائز والشيوخ الذين يقولون لأولادهم: لو كنا كذلك فلسنا اكثر من شخصيات تهريجية برية!!.
شيخ القبيلة لا يكف عن اطلاق (النحنحات) المدوية، وفارس القبيلة لا يتجول إلا عند الغدير حيث الحبيبة تجلب الماء لاهلها، فيما شخص بعيد من شباب القبيلة يترصدهم وقد احرقته الغيرة فيقوم بالدس لهما، والعجوز لا تتوقف عن (خض) الحليب حتى يتحول الى زبد ولبن، اما الراعي فاما ان ينفخ في مزماره او يركض مطلقا صيحات الاستغاثة معلنة بان (الحلال) قد نهب.
(نسايم ليل) يشبه هذه المسلسلات الا انه يصور البادية عام 2003.هو يزيفها ويزايد عليها ويمسخها احد الشعراء قال انه لا يثق بامرأة، وآخر قال شعراً:
لا صرت في صحة وخير وذود ابوي مربعه
كني ملكت الكون كله من هناك الى هناك
وهي اقوال تزايد على البداوة وتسيء لها وتجرها الى سنين بعيدة.
فلم يعد البدوي يقول انه لا يثق في المرأة وهي تشاطره مسؤوليات البيت الجديد، من تربية واعاشة، وهو يفكر بالوظيفة الحكومية على الرغم من ان ذود ابوه (مربعة) بل وفي ازدياد.
اما بنت البادية، فهي التأكيد ليست بالصورة التهريجية التي ظهرت فيها نجاح، شعر اسود فاحم طويل منسدل على جانب الرأس، رموش (مظاليل)، غنج طافح، عينيان ثملتان، ابتسامة مرسومة على شفتين مكتنزتين وملتويتين.
الفتاة البدوية الان لا تحفظ شعرا كثيرا ومعقداً ينتهي بقافية صعبة ك"زملوق" كما تفعل بنت القبيلة نجاح، وعندما تضطرها الظروف لاستقبال الضيوف الرجال فهي تقول لهم "مرحباً" بصوت لا يكاد يسمع وليس بصوت ملعلع وبجمل فخمة مصبوغة بالبداوة مثل: "ياهل ورحِب"
ولم تعد تقول البدوية لصديقاتها من كل جنس ولون انها بنت قبيلة.
انها انصهرت بهن واصبحن يتبادلن الزيارات ورسائل الجوال.
في البرنامج الشعري الذي بثته الmbc قبل (نسايم ليل) وكان بعنوان (ليالي نجدية) تحدث والقى من شعره الشاعر الكبير رشيد الزلامي، في كلماته تشاهد الشخصية البدوية الحالية الذائبة في وعاء المواطنة والمتشكلة بفعل التغيرات الحياتية المكتنفة لاسباب سياسية واقتصادية واجتماعية ليس على مستوى الوطن بل على مستوى العالم.
لم يتفاخر بالفروسية في زمن الطائرات النفاثة كما يفعل شعراء (نسايم ليل) والمجلات الشعبية ولم يمجد ذاته التي تستبطنها العشيرة في مجتمع بل عالم يسير نحو التمدن، ولم يذكرنا بعدد إبله وان هذا يكيفه عناء البحث عن مصدر للرزق في زمن البطالة.
ولم يظهر لا هو ولا غير من الشعراء الكبار والعقلاء وهم ممسكين بصقورهم او يحتضنون الغزلان وهم يعلمون ان هذه اشياء لم تعد مقاييس للرجولة ولا تستدعي الفخر، ان الشيء الذي يفخرون فيه ويقولونه بدون مواربة هي النجاحات التي حققها اولادهم في عالم يشكل العلم قوته الحقيقية، وليس بندقية صدئة.
(نسايم) يصح كأنموذج لفهم اشكالية الساحة الشعرية الاعلامية. هي اشبه بسيرك، هناك من يمشي على الحبل، وهناك من ينفخ بالنار، وهناك من يتلاعب بالكرات، وهناك من يقوس ظهره ليدخل رأسه بين ساقيه في حركة بهلوانية، وهناك وجوه جميلة مزروعة للتسويق، وهناك من يدور على الجماهير ماداً اليهم قبعته.
اذن كل العملية ادعاء ولعب. المشكلة ان هؤلاء يخطفون المشهد البدوي برمته!!
لكي لا اقع في فخ التعميم والالتباس اقول ان هناك عدداً كثيراً من الشعراء المتميزين والعقلاء، ولكن من يحرك عربة الشعر اعلاميا، يسوقها في هذه الاتجاه، وهو اتجاه خاطىء بل ومخجل!!
ممدوح المهيني / جريدة الرياض
الخميس 14 رجب 1424العدد 12865 السنة 39
كل هذه المثالب جمعتها المخرجة نجاح المساعيد وخلطتها في وعاء ثم طهتها لتقدم لنا في النهاية طبق (نسايم ليل) يبدو في خارجه شهياً إلا انك عندما تغرس يدك في الداخل ستجلب لفمك لقمة مثيرة للتقزز.
المسلسلات البدوية كانت تحاول ان تجسد البادية الحقيقة، إلا انها تمسخها في النهاية ويتحول الامر الى اضحوكة تضحك منها حتى العجائز والشيوخ الذين يقولون لأولادهم: لو كنا كذلك فلسنا اكثر من شخصيات تهريجية برية!!.
شيخ القبيلة لا يكف عن اطلاق (النحنحات) المدوية، وفارس القبيلة لا يتجول إلا عند الغدير حيث الحبيبة تجلب الماء لاهلها، فيما شخص بعيد من شباب القبيلة يترصدهم وقد احرقته الغيرة فيقوم بالدس لهما، والعجوز لا تتوقف عن (خض) الحليب حتى يتحول الى زبد ولبن، اما الراعي فاما ان ينفخ في مزماره او يركض مطلقا صيحات الاستغاثة معلنة بان (الحلال) قد نهب.
(نسايم ليل) يشبه هذه المسلسلات الا انه يصور البادية عام 2003.هو يزيفها ويزايد عليها ويمسخها احد الشعراء قال انه لا يثق بامرأة، وآخر قال شعراً:
لا صرت في صحة وخير وذود ابوي مربعه
كني ملكت الكون كله من هناك الى هناك
وهي اقوال تزايد على البداوة وتسيء لها وتجرها الى سنين بعيدة.
فلم يعد البدوي يقول انه لا يثق في المرأة وهي تشاطره مسؤوليات البيت الجديد، من تربية واعاشة، وهو يفكر بالوظيفة الحكومية على الرغم من ان ذود ابوه (مربعة) بل وفي ازدياد.
اما بنت البادية، فهي التأكيد ليست بالصورة التهريجية التي ظهرت فيها نجاح، شعر اسود فاحم طويل منسدل على جانب الرأس، رموش (مظاليل)، غنج طافح، عينيان ثملتان، ابتسامة مرسومة على شفتين مكتنزتين وملتويتين.
الفتاة البدوية الان لا تحفظ شعرا كثيرا ومعقداً ينتهي بقافية صعبة ك"زملوق" كما تفعل بنت القبيلة نجاح، وعندما تضطرها الظروف لاستقبال الضيوف الرجال فهي تقول لهم "مرحباً" بصوت لا يكاد يسمع وليس بصوت ملعلع وبجمل فخمة مصبوغة بالبداوة مثل: "ياهل ورحِب"
ولم تعد تقول البدوية لصديقاتها من كل جنس ولون انها بنت قبيلة.
انها انصهرت بهن واصبحن يتبادلن الزيارات ورسائل الجوال.
في البرنامج الشعري الذي بثته الmbc قبل (نسايم ليل) وكان بعنوان (ليالي نجدية) تحدث والقى من شعره الشاعر الكبير رشيد الزلامي، في كلماته تشاهد الشخصية البدوية الحالية الذائبة في وعاء المواطنة والمتشكلة بفعل التغيرات الحياتية المكتنفة لاسباب سياسية واقتصادية واجتماعية ليس على مستوى الوطن بل على مستوى العالم.
لم يتفاخر بالفروسية في زمن الطائرات النفاثة كما يفعل شعراء (نسايم ليل) والمجلات الشعبية ولم يمجد ذاته التي تستبطنها العشيرة في مجتمع بل عالم يسير نحو التمدن، ولم يذكرنا بعدد إبله وان هذا يكيفه عناء البحث عن مصدر للرزق في زمن البطالة.
ولم يظهر لا هو ولا غير من الشعراء الكبار والعقلاء وهم ممسكين بصقورهم او يحتضنون الغزلان وهم يعلمون ان هذه اشياء لم تعد مقاييس للرجولة ولا تستدعي الفخر، ان الشيء الذي يفخرون فيه ويقولونه بدون مواربة هي النجاحات التي حققها اولادهم في عالم يشكل العلم قوته الحقيقية، وليس بندقية صدئة.
(نسايم) يصح كأنموذج لفهم اشكالية الساحة الشعرية الاعلامية. هي اشبه بسيرك، هناك من يمشي على الحبل، وهناك من ينفخ بالنار، وهناك من يتلاعب بالكرات، وهناك من يقوس ظهره ليدخل رأسه بين ساقيه في حركة بهلوانية، وهناك وجوه جميلة مزروعة للتسويق، وهناك من يدور على الجماهير ماداً اليهم قبعته.
اذن كل العملية ادعاء ولعب. المشكلة ان هؤلاء يخطفون المشهد البدوي برمته!!
لكي لا اقع في فخ التعميم والالتباس اقول ان هناك عدداً كثيراً من الشعراء المتميزين والعقلاء، ولكن من يحرك عربة الشعر اعلاميا، يسوقها في هذه الاتجاه، وهو اتجاه خاطىء بل ومخجل!!
ممدوح المهيني / جريدة الرياض
الخميس 14 رجب 1424العدد 12865 السنة 39