المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : الفكر الديني في المشهد السعودي الراهن


ولدالذيب
11/10/2003, 07:14 PM
المزايدة على السلطة السياسية باسم الدين، من أعقد المشكلات التي واجهتها الدولة الإسلامية على مر تاريخنا السياسي، ولئن كان الخوارج العنوان الأبرز للمزايدة على دولة الخلافة الراشدة في عهد الخليفة علي بن أبي طالب - رضي الله عنه - فإن امتطاء موجة المزايدة باسم الدين على الدولة - استمرت - عابرة للتاريخ الإسلامي لكل طامح ومتطلع للزعامة السياسية والشعبوية، ولسنا بحاجة للتأكيد على أن الدين - المحفز الحقيقي والمستنهض الأبرز للتضحية والاستشهاد، وتقديم الإنسان أغلى ما يملك. ومن ثم أدرك الطامحون والمتسلقون والوصوليون أيا كانت بغيتهم هذه الحقيقة منذ قرون الإسلام الأولى، فكان استغلال الناس باسم الدين مما حفلت به كتب التاريخ والسير والتراجم. معركة السبلة في التاريخ السعودي المعاصر(1374هـ -1929م)، كانت تعبيرا حقيقيا على مأزق المزايدة على الدولة باسم الدين، حينما زايد البعض على الملك عبدالعزيز - رحمه الله- في بعض المطالبات، والتي تدخل فيها حسابات وموازين، يقدرها السياسي أكثر من غيره، وتدخل في إطار صلاحياته واختصاصاته، ومن نافلة القول إن علاقة الدين بالدولة وقتذاك - متداخلة في أدق التفاصيل، بشهادة المستشرقين والرحّالة الأجانب. على الرغم من ذلك، كان موزاييك المزايدة على الدولة باسم الدين من الانتفاخ بمكان.
ولعل من المفارقة - أن السعودية طالما ما واجهت الحملات الإعلامية - عربية أكانت أم دولية على نموذجها الديني الاستثنائي في العالم المعاصر، وكثيرا ما هاجمها الكتاب والمثقفون في العالم العربي على نسقها الديني المتشدد، ولعل المكتبات العربية في الخارج تعج بالكتابات التي تهاجم توجه المملكة الديني، ونظامها الاجتماعي المحافظ، ونزعتها السلفية الماضوية، ووصمها بأقبح النعوت والأوصاف، وعلى الطرف الآخر، المنظمات الحقوقية والدولية في العالم التي طالما هاجمت الأحكام الدينية من الصلب والقتل والجلد ونحوها، والنظام القضائي الديني المتشدد، ثم جاءت أحداث سبتمبر فانضم إلى القافلة الإعلام الغربي وبالأخص الأمريكي، في مهاجمة البيئة السعودية، وتوجيه أصابع الاتهام إليها بأنها تفّرخ الإرهابيين، وطالت الاتهامات المناهج الدينية والجمعيات الخيرية، والثقافة الدينية بمجملها السائدة في المملكة.
هذا من جهة، ومن جهة أخرى، لم تسلم السعودية مع ذلك، من الإرهاب المتدثر بدثار الدين، أو المزايد باسم الدين على الدولة، من القيام بعمليات إرهابية، أو اكتشاف خلايا تخطط لذلك، وكل يوم تكتشف أسلحة ومواد متفجرة، وكم كانت المزايدة باسم الدين على الدولة بعد التقرير الذي نشرته صحيفة الشرق الأوسط عن تكلفة الأسلحة والمواد المستخدمة في التفجير المضبوطة التي تصل إلى (500) مليون دولار، فهذا الرقم الفلكي، كان موجها لتدمير أكثر دولة تعتني بتطبيق الأحكام الدينية. أليس هذا من مفارقات الدهر، وعجائب الزمن!. إن الطعنات التي يتلقاها الوطن - من أبنائه الذين ساعد على نشأتهم نشأة دينية، وعلى تربيتهم تربية محافظة، وقلبوا له ظهر المجن، وأصبحوا يهددون أمنه واستقراره، ويستنزفون موارده، ويعطلون مشاريع تنميته، ويخربون علاقته مع العالم، ويريدونه: إما أن يدخل في حرب مع العالم، أو أن يعيش في عزلة عنه- ليس من شك أنها إشكالية كبرى تعتور تضاريس الفكر الديني في المشهد السعودي الراهن. لا يعسر علينا القول - إننا - في السعودية نعيش مشكلة حقيقية مع الطامحين والمتطلعين للزعامة والقيادة والريادة، فكل هؤلاء الذين يجعجعون ويستخفون بعقولنا- يعتلون صهوة الدين،وجلباب الصالحين، وعمامة العلماء الربانيين - كيما يحققوا مآربهم وأهدافهم. فنحن مجتمع متدين بالفطرة، فالدخول من هذا الباب هو أقصر طريق لاستمالة الناس،ورمي الشباك عليهم،ومن ثم توظيفهم لأهداف محددة. كما حدث في سبتمبر والرياض.
وإذا ما كان علماء السلف والخلف قد فطنوا لخطورة المزايدة باسم الدين على الدولة، وحسموا الموقف بما يختص بالدولة، وأناطوا التدبير السياسي بالحاكم، بما يحقق المصلحة ويدفع المفسدة كما عند الماوردي في الأحكام السلطانية، والطرق الحكمية لابن القيم، ومعظم المؤسسات الفتووية المعاصرة، فإن الوصوليين في هذا العصر - تجاوزوا هذه الآراء، وأعرضوا عنها صفحا، وسخّروا أدوات مفهومية تراثية من التفسير والتأويل والتوظيف والإسقاط على الواقع المعاصر، واقتحموا السياسة من أوسع أبوابها، وقادوا العالم إلى أزمات دولية، ووضعونا في موقف لا نحسد عليه، وأدخلوا الإسلام قفص الاتهام، وأعطوا القوى المتربصة بنا فرصة سانحة لتسجيل الأهداف في مرمانا. لا يصعب علينا القول إن هذا الفكر الوصولي - أضحى - من المعضلات الكبيرة، ولا ينفع معه الحل الأمني فقط، لابد من مناقشته علنا في وسائل الإعلام، ومعرفة ما يستند عليه من أدلة، من أهل العلم والاختصاص، وكشف تهافته، وتعرية أهدافه على مرأى ومسمع من الجميع، ومن ثم ضرب بنيته الفكرية في مقتل، والإجهاز عليه في وكره. وأحسب شجب هذا الفكر، وتبرئة الدين منه، كما نرى ونشاهد وسائل الإعلام لا يكفي، لابد من مقارعته الحجة بالحجة، والدليل بالدليل، والكتاب بالكتاب والمنطق بالمنطق، حتى تتخطفه الطير... فتهوي به في مكان سحيق.



&&&&&&&&&&&&&&&&&&&&
منقووووووووووووول
الكاتب غازي المغلوث

تحيااااااااااااااتي
ولد الـــــــــــــذيب