الأديب
17/10/2003, 09:46 PM
للأستاذ / فهد بن تركي العصيمي .
التَّصحيف : هو كتابة الكلمة أو قراءتها على غير صحَّتها؛ لاشتباه في الحروف . (1)
والفرق بينه وبين اللَّحن هو : أن التَّصحيف يكون في الحروف ، إما بالتغيير أو التقديم أو التأخير . أما اللَّحن فيكون في التَّشكيل _ أي الحركات _ ؛ كرفع ما من حقه النصب أو العكس . ولذلك عرَّفه النحاة بقولهم : اللَّحن هو الخطأ في الإعراب ، ومخالفة وجه الصواب . (2)
أما الفرق بين التَّصحيف والتَّحريف فقد اختلفوا فيه ، حيث ذهب المتقدمون إلى أنهما مترادفان ؛ أي أن التَّصحيف هو نفسه التَّحريف . وذهب بعض المتأخرين _ كالحافظ ابن حجر مثلاً _ إلى التفريق بينهما ؛ فجعل ما كان فيه تغيير حرف أو حروف بتغيير النُّقط فقط مع بقاء صورة الخط تصحيفاً ، وما كان فيه ذلك في الشَّكل _ أي تغيير صورة الخط _ تحريفاً . (3)
وهذا الاصطلاح الجديد ، وإن كان دلَّ على شيء من الدقة فليس إلا تفريقاً شكلياً .
وما نريد الكلام عنه هنا هو التَّصحيف الشِّعري ، وما أكثر ما نجده في حياتنا اليومية ؛ حيث نرى بعضاً من المتفيهقين يرتجل أبياتاً عربيةً فصيحةً مصحَّفةً ، لو أن قائلها سمعها منه هكذا لما فكَّر في نظمها !!
ومما يدور على ألسنة الكثير من هذا التَّصحيف .. قولهم في مطلع معلقة امرئ القيس بن حجر الكندي :
قِفَا نَبْكِ مِنْ ذِكْرَى حَبِيبٍ ومَنْزِلِ = بِسِقْطِ اللِّوَى بَيْنَ الدَّخُولِ فَحُوْمَلِ
والصواب : بَيْنَ الدَّخُولِ وَحُوْمَلِ ، بالواو . قال الأصمعي : أطبقت الرُّواة على أن ( بَيْنَ الدَّخُولِ فَحُوْمَلِ ) لا يجوز أن يكون هكذا ؛ لأنه لا يقصد بـ " بين " أن يكون الشيئان أحدهما بعد الآخر ، ثم يكون الشيء بينهما . إنما يريد أنهما لا يجتمعان وهو بينهما ؛ كما تقول : زيد بين الكوفة والبصرة ، ولا تقول : بين الكوفة فالبصرة .
وإلا ذلك ذهب أبو إسحاق الزِّيادي ، وابن دريد ، وأبو بكر محمد بن علي بن إسماعيل المعروف بـ " مبرمان " . (4)
أما قول حسَّان بن ثابت ( رضي الله عنه ) :
أسألت رسم الدَّار أم لم تسألِ = بين الجوابي فالبُضيع فحوملِ
فهو بالفاء لا غير .
وهناك آراء لبعض البغداديين وغيرهم يُجوِّزون فيها الرواية بالفاء ، إلا أنها ضعيفة ، وليس هذا مكان بسطها . (5)
لكن خلاصتها .. أن من رواه : بَيْنَ الدَّخُولِ فَحُوْمَلِ ، بالفاء يقول : أن الدخول موضع يشتمل على مواضع ، وكذلك حومل . فلو قلت : عبد الله بين الدخول ، لتم الكلام . كما تقول : دورنا بين مصر ، تريد بين أهل مصر . فعلى هذا عُطف بالفاء وأراد بين الدخول وبين مواضع حومل . (6)
ومن الأبيات المصحَّفة أيضاً .. هذا البيت من معلقة زهير بن أبي سُلمى :
وَمَنْ يَغْتَرِبْ يَحْسِبْ عَدُواً صَدِيْقَهُ = وَمَنْ لا يُكَرِّمْ نَفْسَهُ لا يُكَرَّمِ
أكثر الناس يقولون : يَحْسِب ؛ بكسر السين ، من الحُسبان . قال العسكري : روى بعضهم أن أبا نصر أحمد بن حاتم صاحب الأصمعي كان يرويه " يَحْسُب " مضموم السين ، قال الراوي لهذا : هو أحسن عندي من " يَحْسِب " ؛ لأن " يَحْسُب " في معنى : يَعُدُّ صديقه العدوَّ ، ومعنى " يَحْسِب " يظنه صديقه . (7)
وللحديث بقية ...
(1) المعجم الوسيط ص 508
(2) المرجع السابق ص 819
(3) الباعث الحثيث ؛ لأحمد شاكر ص 163 – 164
(4) التَّصحيف والتحريف ؛ للعسكري ص 269 – 270
(5) المرجع السابق ص 271 ، وسمط اللآلي ترتيب الميمني ص 943
(6) شرح القصائد العشر ؛ للتبريزي ص 13
(7) التَّصحيف والتحريف ؛ للعسكري ص 340
التَّصحيف : هو كتابة الكلمة أو قراءتها على غير صحَّتها؛ لاشتباه في الحروف . (1)
والفرق بينه وبين اللَّحن هو : أن التَّصحيف يكون في الحروف ، إما بالتغيير أو التقديم أو التأخير . أما اللَّحن فيكون في التَّشكيل _ أي الحركات _ ؛ كرفع ما من حقه النصب أو العكس . ولذلك عرَّفه النحاة بقولهم : اللَّحن هو الخطأ في الإعراب ، ومخالفة وجه الصواب . (2)
أما الفرق بين التَّصحيف والتَّحريف فقد اختلفوا فيه ، حيث ذهب المتقدمون إلى أنهما مترادفان ؛ أي أن التَّصحيف هو نفسه التَّحريف . وذهب بعض المتأخرين _ كالحافظ ابن حجر مثلاً _ إلى التفريق بينهما ؛ فجعل ما كان فيه تغيير حرف أو حروف بتغيير النُّقط فقط مع بقاء صورة الخط تصحيفاً ، وما كان فيه ذلك في الشَّكل _ أي تغيير صورة الخط _ تحريفاً . (3)
وهذا الاصطلاح الجديد ، وإن كان دلَّ على شيء من الدقة فليس إلا تفريقاً شكلياً .
وما نريد الكلام عنه هنا هو التَّصحيف الشِّعري ، وما أكثر ما نجده في حياتنا اليومية ؛ حيث نرى بعضاً من المتفيهقين يرتجل أبياتاً عربيةً فصيحةً مصحَّفةً ، لو أن قائلها سمعها منه هكذا لما فكَّر في نظمها !!
ومما يدور على ألسنة الكثير من هذا التَّصحيف .. قولهم في مطلع معلقة امرئ القيس بن حجر الكندي :
قِفَا نَبْكِ مِنْ ذِكْرَى حَبِيبٍ ومَنْزِلِ = بِسِقْطِ اللِّوَى بَيْنَ الدَّخُولِ فَحُوْمَلِ
والصواب : بَيْنَ الدَّخُولِ وَحُوْمَلِ ، بالواو . قال الأصمعي : أطبقت الرُّواة على أن ( بَيْنَ الدَّخُولِ فَحُوْمَلِ ) لا يجوز أن يكون هكذا ؛ لأنه لا يقصد بـ " بين " أن يكون الشيئان أحدهما بعد الآخر ، ثم يكون الشيء بينهما . إنما يريد أنهما لا يجتمعان وهو بينهما ؛ كما تقول : زيد بين الكوفة والبصرة ، ولا تقول : بين الكوفة فالبصرة .
وإلا ذلك ذهب أبو إسحاق الزِّيادي ، وابن دريد ، وأبو بكر محمد بن علي بن إسماعيل المعروف بـ " مبرمان " . (4)
أما قول حسَّان بن ثابت ( رضي الله عنه ) :
أسألت رسم الدَّار أم لم تسألِ = بين الجوابي فالبُضيع فحوملِ
فهو بالفاء لا غير .
وهناك آراء لبعض البغداديين وغيرهم يُجوِّزون فيها الرواية بالفاء ، إلا أنها ضعيفة ، وليس هذا مكان بسطها . (5)
لكن خلاصتها .. أن من رواه : بَيْنَ الدَّخُولِ فَحُوْمَلِ ، بالفاء يقول : أن الدخول موضع يشتمل على مواضع ، وكذلك حومل . فلو قلت : عبد الله بين الدخول ، لتم الكلام . كما تقول : دورنا بين مصر ، تريد بين أهل مصر . فعلى هذا عُطف بالفاء وأراد بين الدخول وبين مواضع حومل . (6)
ومن الأبيات المصحَّفة أيضاً .. هذا البيت من معلقة زهير بن أبي سُلمى :
وَمَنْ يَغْتَرِبْ يَحْسِبْ عَدُواً صَدِيْقَهُ = وَمَنْ لا يُكَرِّمْ نَفْسَهُ لا يُكَرَّمِ
أكثر الناس يقولون : يَحْسِب ؛ بكسر السين ، من الحُسبان . قال العسكري : روى بعضهم أن أبا نصر أحمد بن حاتم صاحب الأصمعي كان يرويه " يَحْسُب " مضموم السين ، قال الراوي لهذا : هو أحسن عندي من " يَحْسِب " ؛ لأن " يَحْسُب " في معنى : يَعُدُّ صديقه العدوَّ ، ومعنى " يَحْسِب " يظنه صديقه . (7)
وللحديث بقية ...
(1) المعجم الوسيط ص 508
(2) المرجع السابق ص 819
(3) الباعث الحثيث ؛ لأحمد شاكر ص 163 – 164
(4) التَّصحيف والتحريف ؛ للعسكري ص 269 – 270
(5) المرجع السابق ص 271 ، وسمط اللآلي ترتيب الميمني ص 943
(6) شرح القصائد العشر ؛ للتبريزي ص 13
(7) التَّصحيف والتحريف ؛ للعسكري ص 340