المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : أسباب هجرة القبائل في ظلال الشعر الجاهلي ( نسج الخمائل )


فتى بني زيد
05/12/2003, 08:37 AM
السلام عليكم

أبناء لشعراء الكرام هذا البحث حول بعض ماورد في الشعر الجاهلي عن أسباب ودواعي الأرتحال الجماعي للقبيلة أو الفخذ أو العشيرة ، أو ما يسمّى بهجرة القبيلة أو العشيرة أو الفخذ ، وقد وضعت هذا الموضوع في هذا القسم لارتباط الشعر الجاهلي بالشعر الفصيح .

وسأبدأ بذكر بعض الأسباب التي أعرفها مستفيداً من بعض المصادر ، وقد كان أكثر مصدر اعتمدت عليه في الأسلوب هو بحث للدكتور ( فاروق أحمد إسليم ) بعنوان ( الأنتماء في الشعر الجاهلي ) ، وقد كان مفتاحاً لي لمصادر أخرى في الموضوع .

وأقول مبتدأً من هذه الأسباب التي ذكرت في الشعر الجاهلي :


أولاً : أن يُكره الخلاف داخل القبيلة أحد بطونها على الارتحال:

فلقد كان النفي عن الديار أو الأبتعاد عنها من الوسائل المتبعة لإطفاء نيران الخلاف داخل القبيلة الواحدة، ومن الأخبار الدالة على ذلك أن خلافاً دبَّ بين بني جعفر وبني أبي بكر العامريين، فشبت الحرب بينهما، فخُذل الجعافرة، ونزلوا على حكم رئيس بني أبي بكر، الذي حكم بنفي بني جعفر عن بلادهم إلاّ أن يرتضوا بحكمه في مسألة دية القتلى، فارتحل بنو جعفر إلى اليمن وقد عبّر لبيد الجعفريّ عن استنكاره لذلك في قوله :

أبني كلابٍ كيف تنفى جعفرٌ

وَبنو ضبينةَ حاضروا الأَجباب

فالشاعر هنا يستنكر نفي قومه، وإنزال بني ضبينة في منازل الجعفريين، ولقد حققت عقوبة النفي الغاية، إذ خضع الجعفريون لحكم قومهم في دية القتلى، ورجعوا إلى منازلهم بعد حول من ارتحالهم .(أنظر شرح ديوان لبيد المقدمة ص 11 ، والديوان ص 23 ، وص 278 )

وإذا كان بنو جعفر قد رجعوا إلى منازلهم فإنّ جماعات أخرى ارتحلت كارتحالهم، ولكنها لم ترجع إلى منازلها مثلهم .


ثانياً : أن تلقى قبيلة أو فخذاً أو عشيرةً عنتاً من ملك يدفعها إلى الارتحال :

تفيد أخبار الجاهلية أن ملوك الحيرة كانوا يكرهون بعض الجماعات على الارتحال إذا غضبوا عليها، ومن ذلك أن المنذر بن ماء السماء خطب على رجل من اصحابه امرأةً من بني زيد بن مالك بن حنظلة من بني تميم فأبو أن يزوجوه، فنفاهم، فنزلوا مكّة ، وفيهم يقول الأسود بن يعفر :

ما بعد زيدٍ، في فتاةٍ فرّقوا

قتلاً، ونفياً، بعد حسنِ تآدي


فتخيّروا الأرض الفَضاء لعزّهم

ويزيد رافدهم علَى الرّفاد

لقد اختار بنو زيد التميميون أن ينزلوا الأرض الفضاء، فنزلوا مكة استبقاءً لأنفسهم ولشرفهم.(أنظر شرح اختيارات المفضل 2/972،973 )


ثالثاً : أن تعجز موارد المكان عن كفاية القبيلة أو الفخذ أو العشيرة :

إنّ عجز موارد المكان عن تلبية مستلزمات الحياة المادية لسكانه يدفعهم إلى البحث عن وسائل أخرى لاستمرار معيشتهم

ومن ذلك سكن بني حنيفة في اليمامة، فقد ارتادها عُبيد ابن ثعلبة الحنفي، بأهله وغلمانه، فنزل فيها، ثم لحق به إخوته، وفي ذلك يقول عُبيد :

حلَلنا بدارٍ كان فيها أَنسها

فبادُوا وخلّوا ذات شيدٍ حُصونها


فصاروا قطيناً للفلاة بغربةٍ

رميماً، وصرنا في الديار قطينها


فسوف يليها بعدنا مِن يحلها

ويسكن عرضاً سهلَها وحزونها

(أنظر معجم البلدان لياقوت : مادة حجر ، معجم ما استعجم 1 / 83 -85 )

ومثل ذلك خبر نزول طيئ أجأ وسلمى ؛ وهو خبر مشهور ذكره ياقوت الحموي وغيره أن رجلين من طيئ خرجا من اليمن، فارتادا أجأ فوقفا من الخصب والخير على ما أعجبهما، فرجعا إلى قومهما، فأخبراهم به، فارتحلت طيئ بجملتها إلى الجبلين .
(أنظر معجم البلدان لياقوت : مادة أجا )


رابعاً : أن يضيق المكان بالقبيلة أو القبائل المتجاورة مع تكاثرهم :

وقد حوت مقدمة كتاب ( معجم ما استعجم ) طائفة من الأخبار والأشعار الدالة على الأرتحال بسبب تضاؤل موارد المكان لتكاثر سكانه ، ولاسيما المتعلقة بتفرّق أولاد معد بن عدنان، وبعض تلك الأخبار نَصّت على أن التكاثر كان سبباً في الارتحال، ومن ذلك أن ربيعة ومضر كانوا بتهامة وغورها "فكثروا وتضايقوا في منازلهم، فانتشرت ربيعة فيما يليهم من بلاد تهامة نجد" (معجم ما استعجم 1/79)

مع أن بعض تلك الأخبار والأشعار لم تشر صراحة إلى أثر التكاثر في الارتحال، بل اشارت إلى أثر التكاثر في طغيان جماعة على أخرى طغياناً يؤدي إلى حرب تنتهي بجلاء المغلوب، ومن ذلك بغي إياد حين تكاثرت على مضر وربيعة، وكانت منازلهم وديارهم واحدة في تهامة، فتظاهرت مضر وربيعة على إياد، فهُزمت إياد، وخرجت من تهامة (أنظر معجم ما استعجم 1/67-69)



خامساً : قد تحل بالمكان كارثة طبيعية تبدد جهد السكان المبذول للإقامة فيه، فيضطر سكانه إلى الارتحال عنه، وخراب سد مأرب شاهد ماثل للعيان، فبسببه ارتحلت الأزد، فاستقرت طائفة منهم بيثرب، وهم الأوس والخزرج، وأخرى بمكة، وهم خزاعة، وثالثة بعمان، وهم أزد عمان، ورابعة بالشام، وهم بنو جفنة (أنظر معجم البلدان : مأرب)


وقد ذكرت شواهد وأمثلة من عصور قديمة لارتباط ذلك بالعصر الجاهلي والشعر في ذلك الوقت .

ملاحظة : سبق أن كتبت هذا الموضوع في بعض منتديات الأنساب بإسم ( نسج الخمائل في أسباب هجرة القبائل ) ولكن لكون الموضوع له تعلق كبير بالأدب الجاهلي ، رأيت أنه من المناسب هنا أن يكون في منتدى الشعر الفصيح .


أخوكم أبو سعد ( فتى بني زيد )

محمدبن سيف(ابوعبيد)
05/12/2003, 09:41 PM
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
فتى بني زيد احسنت على هذا الموضوع القيم المفيد الذي اتمنى ان نرى مثله في المنتدى0
وجعلك تسلم

قاسم
06/12/2003, 01:05 PM
بارك الله فيك يا فتى بني زيد
موضوع قيم يستحق الإشادة
أما الهجرة فهي لا تزال قائمه حتى الآن وإن لم تأخذ الصفة الجماعية
أو الاسم الذي أطلق عليها في العصور السابقة .
فما زلنا نسمع عن هجرة العقول العربية
وهجرة رؤوس الأموال العربية
فإن عرفنا أسباب الهجرة السابقة كما بينتها
فما أسباب هجرة العقول ؟!!
وما أسباب هجرة الأموال ؟!!

فتى بني زيد
26/12/2003, 08:12 PM
السلام عليكم

أخي الكريم محمد بن سيف أعتذر لك كثيراً لتأخري في الرد ، وأشكرك على ثنائك الطيب وحضورك الكريم .

أخي الكريم قاسم حياك الله ، وأشكرك على كلامك الجميل ، وأعتذر لك كثيرا لتأخري في الرد بسبب ظروف مرّت بي .

أسباب هجرة العقول والأموال موضوع طويل ، أستطيع أن أقول عنه باختصار أن السبب الرئيس فيه هو الواقع السياسي والثقافي السيء والضعيف جداً الذي يعيشه عالمنا الأسلامي بما فيه العالم العربي .

هذا الواقع جعل أصحاب العقول العبقرية من العرب والمسلمين ، وكذلك أصحاب الأموال منهم لا يجدون تشجيعاً وحافزاً وتقديراً لمميزاتهم التي كان بالأمكان الأستفادة منها ، فاحتضنهم وللأسف الغرب ، وسهل عليهم كل الحواجز والعوائق حتى استطاعوا الأنتاج والأبداع هناك وللأسف .

فاروق الباز المصري الذي وصل الى مرتبة عالية في وكالة ناسا للفضاء يعترف بنفسه في لقاء معه أنه ليس بذلك العبقري وأن هناك من زملائه من يفوقه ذكاءً ، ولكنه وجد من أعطاه الحوافز فاتخذ مكانه ، بينما بعض زملائه العباقرة في مصر هم الآن في مصر مدرسين للمرحلة الأبتدائية !!!! وفوق ذلك لا يجدون أي تقدير ، وفي مباني ومكاتب لا تليق بمن هو أقل منهم فضلاً عنهم ، وقد قال في ذلك اللقاء المثير بأنه لو أعطي مثل هؤلاء الفرص والحوافز للأبداع لكان الوضع مختلفاً تماماً .

فالله المستعان .

bader
27/12/2003, 09:31 AM
اخوي فتى بني زيد
احسنت على هذا الموضوع

تحياتي

فتى بني زيد
09/02/2004, 02:26 PM
حياك الله اخوي بدر

والشكر لك على مرورك الطيب

فتى بني زيد
09/02/2004, 02:29 PM
هذه الفقرة ليست من أسباب ودواعي الأرتحال الجماعي ، ولكن لكونها لها علاقة بالموضوع أوردتها فهي لها علاقة بالأرتحال الجماعي

فإنّ ارتحال الجماعات المُبعدة عن وطنها يفرض عليها البحث عن مكان جديد، فقد ترتاد الجماعة المرتحلة مكاناً غير مأهول، تراه صالحاً للإقامة، فستوطنه، وغالباً مايتعذّر العثور على مثل ذلك، فتصدم الجماعة المرتحلة بجماعات سكانية مستقرّة، فتضطر إلى محالفتها أو مجاورتها، وقد تضطر إلى انتزاع موطن جديد بالسيف وبترحيل سكانه عنه، وبذلك تبدأ جماعة أخرى بالبحث عن موطن لها؛ فقد سارت جماعات من قضاعة حين أجلوا عن تهامة نحو البحرين، حتى وردوا هَجَر، وبها يومئذٍ قوم من النَّبط، فَأجلوهم، وقال في ذلك مالك بن زهير القُضاعي:" شرينا دارَ آنسةً بدار " (أنظر معجم ما استعجم 1/21 )

وأخرجت خزاعةُ- وكانت ارتحلت من اليمن خوفاً من خراب سدّ مأرب- جرهماً من مكّة، بقوة السيف إذ لم تقبل جرهم بجوار خزاعة لها، وقد أنشد مُضاض بن عمرو الجرهمي في ذلك أشعاراً تفيض بالحسرة، وألم الجلاء عن الوطن (أنظر الأغاني 15/17 ، 18 )

فقد اتخذ ارتحال الجماعات طابعاً عنيفاً تارةً، وسلمياً أخرى ؛ فالجماعة المرتحلة قد تجد مكاناً لا أنس فيه، فتستوطنه أو ترعى فيه، وقد تصطدم بجماعات مستقرّة، فيجاور أو يحالف المرتحلُ المستقرَّ، وقد تختلط جماعات مرتحلة إذ تلتقي على ماء أو مرعى يتسع لها كلها، وبذلك أدى الارتحال إلى التواصل بين الجماعات المتباعدة، وغدا التقارب المكاني بين الجماعات المتباعدة نسباً سبباً في وجود انتماءات جديدة

المراجع :

1- بحث (الأنتماء في الشعر الجاهلي) فاروق احمد اسليم .

2- معجم البلدان ، ياقوت الحموي

3- معجم ما استعجم ، للبكري الأندلسي

4- شرح ديوان لبيد بن ربيعة العامري ، تحقيق د . احسان عباس .

5- شرح ديوان المفضل الضبي ، للخطيب التبريزي .

6- ديوان الخرنق بنت بدر ، رواية أبي عمرو بن العلاء .

7- الأغاني ، لأبي الفرج الأصبهاني



وقد جرى حول الموضوع بعض النقاش على هذا الرابط http://www.ansab-online.com/modules.php?op=modload&name=Forums&file=viewtopic&topic=355&forum=3

والسلام عليكم