المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : عبدالرحمن منيف..قائد حزبي صار روائياً من الدرجة الأولى


عبدالله
27/04/2004, 06:40 PM
عبدالرحمن منيف.. سيرة لوجع الروح
بقلم: كريم مروة



لا أعتقد أن عبدالرحمن منيف بحاجة الى وسائط لتعريف القرّاء به، فقراء رواياته كثيرون، ورواياته العديدة هي أفضل صيغة للتعريف به، غير أن ما نحتاج إليه إزاء عبدالرحمن منيف، بعد غيابه المفاجىء، هو أن نقرأه من جديد، من خلال سيرته في جوانبها الشخصية والسياسية والروائية والفكرية. وهي سيرة مترابطة، القاسم المشترك بينها جميعها هو الإحساس العميق عند عبدالرحمن بالوجع الروحي، وممارسة الصراع بسلاح النقد والاعتراض والتمرد، ليس فقط ضد الواقع المتخلّف وضد الاستبداد المزمن، بل ضد أمراض المجتمع كلها في بلداننا العربية، وضد المرض ذاته الذي قاده الى الرحيل قبل الموعد الطبيعي للرحيل. وتشكل هذه السيرة، بتحولاتها في المنعطفات الكبرى الخاصة به وفي بلاده بالذات وفي الوطن العربي عموماً، أساساً صالحاً لرسم صورة حقيقية، بألوان طبيعية، لهذا الأديب والسياسي والمفكر العربي الكبير الذي يحمل اسم عبدالرحمن منيف.



ولعل أول ما توحي به النظرة الى سيرته بعد رحيله، في قراءتي الأولية لها، هو أن ثمة ملامح أسطورية في شخصية الرجل، كما لو أنه بطل نموذجي لواحدة من الروايات العالمية الكبرى التي تستعصي شخصياتها على النسيان. والبطل هذا، بطل هذه الرواية الذي هو عبدالرحمن منيف بالذات، إنما يتميز عن الأبطال الآخرين لتلك الروايات بأنه يحمل صفات الانسان الطبيعي، بإيجابياته وسلبياته. فهو ليس بطلاً إيجابياً، ولا هو بطل سلبي، بالمعنى المعروف في الروايات الكلاسيكية للبطل، بل هو مزيج من هذين البطلين. وهذا بالضبط ما حرص عبدالرحمن على أن يقدمه في رواياته، كما لو أنه كان يريد أن يقول إن الإنسان الحقيقي، أي الطبيعي، هو البطل الحقيقي للرواية، مثلما هو البطل الحقيقي للواقع، سواء في صيغة الاندماج في هذا الواقع، أم في الاعتراض عليه وفي الثورة ضده من أجل تغييره.

تقودني هذه الفكرة الى الاستنتاج بأن روايات عبدالرحمن العشر، ومن ضمنها الملاحم الثلاث، “شرق المتوسط” في صيغتيها، و”مدن الملح” بأجزائها الخمسة، و”أرض السواد” بأجزائها الثلاثة، لم تكن سوى تمارين للرواية التي لم يكتبها، والتي لم يكن بمقدوره أن يكتبها، إذ هي تستعصي على الكتابة. وهذه الرواية التي هي أهم وأكبر رواياته، والتي لم يكتبها بقلمه، إنما هي الرواية التي تحكي قصة إنسان حقيقي، بطلها عبدالرحمن منيف بالذات. وقد قامت بمهمة الكتابة، نيابة عن عبدالرحمن تفاصيل حياته ذاتها، ملحمتها، منذ الطفولة والشباب الأول حتى اللحظة التي انهارت فيها قدرته على ممارسة الصراع والمقاومة، ضدالواقع العربي المأساوي، وضد المرض الذي جاء إليه بالصدفة وظل يعذبه الى أن صرعه.

وإذ أحاول الكتابة عن عبدالرحمن منيف الذي ولد في العاصمة الاردنية عمان (1933) من أب سعودي وأم عراقية بعد فترة قصيرة من رحيله فإنما أكتب بالتحديد عن هذه الرواية بالذات. ذلك أن صداقتي معه إنما تشكل جزءاً من هذه الرواية، وكنت أتشوق الى التعرف اليه بعد أن كانت قد ارتسمت في ذهني صورة خاصة له من خلال ما قرأت له في السياسة وفي الأدب. وهي صورة سرعان ما أدخلت عليها لقاءاتنا الأولى تفاصيل أكثر وضوحاً ووثوقاً. وصرنا منذ أول لقاء صديقين حميمين. وصارت صداقتنا، بالنسبة إليّ، جزءاً من سيرتي، وربما جزءاً من سيرته، تضاف الى أسماء وشخصيات عديدة أخرى في حياته وفي حياتي.

وذلك هو أمر طبيعي في حياة البشر. فحياة الأفراد، أياً كانت أحجامهم، كبيرة أو صغيرة، استثنائية أو عادية، إنما هي في حقيقتها جمع لكمّ من العلاقات الانسانية، تتمايز فيما بينها وتختلف، وجمع لكمّ من الأحداث والانطباعات والمشاعر والنشاطات في جوانبها المختلفة. وهي، أي حياة الأفراد، تشكل بمجموعها الصورة المتكاملة لشخصية الفرد ولملامحها العامة والخاصة ولفصولها المتعددة المتنوعة.



الرواية الحية

إذا كنت أتجنب هنا الكتابة عن عبدالرحمن منيف الروائي، فلأنني لست ناقداً، لذلك فإنني أكتب بالتحديد عن رواياته التي لم يكتبها والتي تعبر عنها شخصيته المتعددة. أي انني أكتب عن “أبو العوف” (اللقب الذي يعرف به)، أكثر مما أكتب عن عبدالرحمن منيف الروائي الذي كتب عنه النقاد من أصدقائه وخصومه الكثر، وسيظلون يكتبون الكثير، في الاتفاق وفي الاختلاف، حول أدبه بعامة، وحول موقع أدبه الروائي في الرواية العربية الحديثة بخاصة. ولذلك فإنني متحرر، هنا، من ممارسة فعل النقد الأدبي الذي لم أمارسه في حياتي إلا مرة واحدة وأخيرة عندما كنت طالباً في الجامعة اللبنانية في العام الثاني لتأسيسها، قبل خمسين عاماً ونيف. يومها طلب مني أستاذ الأدب العربي أن أقدم بحثاً في الأدب المقارن. فاخترت لبحثي كلاً من القصاص المصري محمود تيمور والقصاص الفرنسي غي دوماباسان. وكانت تلك أول وآخر محاولة لي للكتابة في النقد الأدبي.

لغيري إذن أن يدرس، بالاستناد الى قواعد النقد الأدبي، أعمال عبدالرحمن منيف الروائية. أما أنا فلي معه قصة أخرى، هي قصة الانسان الحقيقي التي تحكيها روايته الحية، روايته غير المكتوبة، الرواية التي تحكي سيرة هذا الانسان الجميل الذي سيفتقده عالم الأدب وعالم السياسة المتحرر من التباسات السياسيين، وعالم الفكر الديمقراطي المستنير.

تعود علاقتي بعبدالرحمن منيف الى أوائل الثمانينات من القرن الماضي، عندما كنت أقيم لبعض الوقت في العاصمة الفرنسية، في مهمة شاقة كُلفت بها باسم الحركة الوطنية اللبنانية خلال الغزو “الاسرائيلي” للبنان، من أجل استنفار الدعم لمقاومتنا الوطنية كلبنانيين، واستنفار الدعم للشعب الفلسطيني في كفاحه، من داخل بلد شقيق هو لبنان، لاستعادة حقوقه في أرضه ووطنه.

كان صلة الوصل الأولى بيننا صديق حميم للطرفين هو المحامي طلال شرارة الذي كان زميلاً لعبدالرحمن منيف في الانتماء الى حزب البعث العربي الاشتراكي، وزميلاً له في مغادرة ذلك الحزب في مؤتمر حمص الشهير لهذا الحزب.

جمعنا شرارة في البداية في منزله من أجل التعارف، ثم انطلقنا من ذلك اللقاء ومن ذلك المكان بالذات في رحلة هي واحدة من أجمل رحلات العمر، في العلاقة المتعددة المستويات والجوانب بيني وبين عبدالرحمن منيف وتعددت لقاءاتنا في باريس خلال وجوده فيها، كلما كنت أقوم بزيارة الى فرنسا. وهي زيارات تكررت في تلك الفترة، بحكم المهمات السياسية التي كنت مكلفاً بها، من موقعي في قيادة الحزب الشيوعي اللبناني. وكانت محاور نقاشاتنا خلال تلك اللقاءات تتناول المواضيع التي كانت توحي لنا بها أوضاع بلداننا المأساوية. كان العراق في ذلك الحين غارقاً في الحرب العبثية المدمرة مع ايران. وكان الفلسطينيون، قيادة وجماهير، غارقين هم أيضاً في متاهات أحلامهم ومشاريعهم، ومتاهات تحالفاتهم ومعاركهم الغلط، فيما بينهم ومع الآخرين، الى أن أطلّت الانتفاضة حاملة معها أفقاً جديداً، من جهة، وممارسات سياسية مناقضة لها، من جهة ثانية. أما لبنان فكانت المقاومة الوطنية التي انطلقت من قلب بيروت، قد بدأت تؤتي ثمارها، وتؤشر لولادة فجر جديد، مختلف في احتمالاته وارهاصاته عما كانت تشير اليه مظاهر العبثية في الحرب الأهلية، ومختلف عمّا كان سائداً وراكداً ومضجراً من أوضاع ومواقف في مختلف البلدان العربية، المشرقية منها والمغربية على حد سواء.

عبدالله
27/04/2004, 06:41 PM
كنت أتصور للوهلة الأولى، عندما التقيت عبدالرحمن منيف، أنني سألتقي بالمفكر والقائد البعثي العتيق الذي كانت قد ربطتني به علاقة تقدير له من قبل أن نلتقي. كنت أعرف أنه قادم الى عالم السياسة والفكر والأدب من أرض الجزيرة العربية، من أب سعودي وأم عراقية، وكنت أعرف أنه ما ان اتخذ له ذلك الطريق في السياسة والفكر والأدب حتى دخل المنفى. وصارت كل بلاد العرب مطارح لمنفاه، من عمّان الى بغداد ومنهما الى دمشق والقاهرة وبيروت والجزائر، فضلاً عن عواصم عربية أخرى، وعواصم غربية عديدة. كان قيادياً في حزب البعث العربي الاشتراكي، وخبيراً في اقتصاد النفط. ولكن ما ان بدأت الهزائم والانقسامات تنشر المأساة تلو المأساة في بلداننا، وما ان بدأت تتعثر مشاريع التغيير التي غذّت على امتداد سنوات عديدة أحلام الشباب والكبار باسم الحرية والاشتراكية والوحدة، حتى اختار عبدالرحمن، بديلاً من اليأس، طريق الأدب، في واحد من أجمل أجناسه، الرواية على وجه التحديد. ولكن عبدالرحمن المتفلت من بؤس السياسة ومن بؤس ممارستها لم يتخلّ عن أحلامه الثورية. وسرعان ما أصبح المفكر والسياسي والخبير الاقتصادي والقائد الحزبي روائياً من الدرجة الأولى. وقد حملت رواياته جميعها كل أفكاره وأحلامه، وحملت قلقه الذي ظلّ رفيقه ورفيقنا الدائم.

عندما التقيته في تلك العشية الجميلة في ضيافة صديقنا طلال شرارة، كان قد تحول، بالنسبة الي، الى الشخص الآخر، المختلف عن ذلك الذي كنت أعرفه قبل أن ألتقيه. جاءني في تلك الليلة حاملاً إليّ معه صداقته، وتاريخه القديم والجديد، وابداعاته الأدبية، وهمومه وأحلامه، وملامح من شخصية انسان غني بالمشاعر والأفكار. أصبحنا في لحظات صديقين من النوع الممتاز. وللامتياز، هنا، مواصفات مختلفة عن السائد، فأكثر ما شدّ كلينا الى تلك الصداقة الجديدة هو أننا دخلنا منذ اللحظات الأولى للقائنا في جدال حاد وخصب، أراد كل منا من خلاله أن يعرّف الآخر بنفسه من دون مواربة أو حذر أو لياقات زائفة. اكتشفنا، ونحن في معركة التعارف تلك، اننا نملك من الاحساس بعمق الأزمة التي تلف بلداننا ما يجعلنا قريبين من الهم، حتى ولو كنا مختلفين في التوصيف، ومختلفين في اقتراح الحلول.

لم أكن بحاجة الى جهد لكي أكتشف، خلال جدالاتنا الخصبة تلك، ان عبدالرحمن البعثي العتيق كان قد تحول الى ماركسي جديد، ليس بالمعنى الزمني للكلمة وحسب، بل خصوصاً بالفهم النظري والسياسي لأفكار ماركس، وبصيغة الالتزام بتلك الأفكار. وتولّد عندي تصور، في بعض لحظات نقاشاتنا الحادة، وكأنه كان يريد الايحاء لي بأن ماركسيتي القديمة لا تضعني، بالضرورة، في مرتبة الأب الايديولوجي له كقادم جديد الى اعتناق الماركسية، مثلما كان سائداً في ذلك الحين عند الشيوعيين في علاقتهم باليسار الجديد.

كان ذلك هو الانطباع الذي تولّد عندي، خلال نقاشاتنا. ولم أتحدث عن ذلك معه لاحقاً. لكننا تابعنا النقاشات في لقاءاتنا بالحدة ذاتها وبالهم ذاته، وبالقلق الذي كان يشد على ما تبقى عندنا من أنفاس، بفعل الهزائم المتواصلة في مجالات حياتنا العربية، الفكرية والسياسية والروحية والأخلاقية، وبفعل غياب، أو قصور، المشاريع البديلة، مشاريع التغيير الديمقراطي باسم الاشتراكية وبأسماء أخرى.

عندما عاد عبدالرحمن من باريس الى دمشق في أواخر الثمانينات تجددت العلاقة بيننا في صورة أكثر تنوعاً وأكثر حيوية. لكنها كانت حرجة في بداياتها. اذ هي ترافقت مع بدايات الأزمة العامة للاشتراكية التي سرعان ما أدت الى انهيار تجربتها الأولى في البلد الذي حمل اسمها، الاتحاد السوفييتي. وكان الشركاء في تلك النقاشات الصعبة لتلك المرحلة، سعد الله ونوس وفيصل دراج وماهر الشريف وعصام خفاجي وحبيب صادق ومحمد دكروب. كنا نلتقي جميعاً، أو بعضنا، كلما كنت أزور دمشق. وما أكثر ما كنت أزورها للاجتماع بالمثقفين الديمقراطيين فيها. وكان عبدالرحمن حاضراً، بكل أفكاره وقلقه، في معظم تلك اللقاءات وفي النقاشات العاصفة التي كانت تجري فيها. وكان المثقفون اليساريون في تلك الفترة شديدي النقد للبرسترويكا السوفييتية. في حين كنت أعتبرها محاولة أخيرة لتجديد الاشتراكية. فإما أن تقود تلك المحاولة الى التصحيح والتغيير والارتقاء بالتجربة أو أن تقود الى انهيارها كنتيجة مباشرة لأخطائها المتراكمة. وتجدر الاشارة الى أن ميادين التجريب في الفكر وفي الجدل خلال تلك الفترة كانت تضطلع بها دوريات ثقافية قديمة وجديدة، هي مجلة “الطريق” ومجلة “النهج” و”قضايا وشهادات” و”جدل”. وكان بعض ذلك النقاش يجري في جهات أخرى، مع أصدقاء آخرين، وعلى موجات متقاربة في بعض النواحي ومتباينة في نواحٍ أخرى، مع حنّا مينه والياس مرقص ونايف بلوز وسعيد مراد وسعيد حورانية وشوقي بغدادي وطيب تيزيني وخضر زكريا وأحمد برقاوي وصادق جلال العظم ورزق الله هيلان وعطية مسوح وحميد مرعي وقيس الزبيدي، ومع آخرين من الأدباء والفنانين والمفكرين الاشتراكيي الانتماء والتوجه. ولتلك النقاشات وحلقاتها المتعددة، وخلافاتنا فيها واتفاقاتنا، مكان لا يفنى في الذاكرة وفي الوجدان.



ذكريات عراقية

تأخرت معرفتي بتفاصيل سيرة عبدالرحمن. وحين بدأ يحدثني عن ذكرياته العراقية في جلسات متباعدة، أحسست أن خيطاً آخر رفيعاً وقوياً جاء ليشد من متانة العلاقة بيني وبينه. فالمرحلة العراقية من عمري هي، بالنسبة إليّ، مفتاح التحول الحقيقي في مسيرة حياتي. وبالقدر ذاته من الحنين الذي كان يتحدث فيه عبدالرحمن عن ذكرياته العراقية، تحدثت أنا معه عن ذكرياتي. فيا لتلك المصادفة كم كانت جميلة. كلانا تكوّن في العراق في شبابه الأول. فهل لتلك المصادفة دلالاتها؟ هل لها، في صداقتنا، علاقة ما بالتاريخ الحديث للعراق، عراق عهد الملكية وعراق ثورة 14 يوليو/ تموز، وما بعدها حتى هذه اللحظة المأساوية التي يعيشها عراق ما بعد سقوط نظام صدام الاستبدادي ووقوع العراق تحت الاحتلال الأمريكي البريطاني؟ ربما! لكن ما هو أهم، بالنسبة إليّ والى عبدالرحمن، هو أننا نشترك في تجربة، رغم ما بين جانبيها من اختلاف، تحمل لكلينا معنى قديماً وجديداً زاد في تعميق الصداقة بيننا. لذلك كان الأساس الفكري لتلك الصداقة هو أن كلينا استندنا في بحثنا عن طريق لخلاص بلداننا ولنهضتها الى مرجعية تبدأ بماركس ولا تقف عنده.

أما الأساس الفكري الآخر لتلك العلاقة فهو أن كلاً منا، من موقعه الخاص به، وبالاستناد الى تجربته الخاصة، كان يحاول أن يوفق بين ذلك التراث الكبير من الفكر الانساني الخلاق وبين ظروف بلداننا والشروط التاريخية لتطورها. ذلك أن الهم الأساسي الذي كان يوحدنا هو توظيف البحث، الذي دخلنا فيه من باب الثقافة الأرحب، في إعادة إحياء المشروع النهضوي العربي الهادف الى تحرير بلداننا من هزائمها المتواصلة ومن النتائج المريعة لتلك الهزائم، والانتقال الى مرحلة التحول باتجاه التقدم، في جوانبه وميادينه كافة.

ومعروف أن عبدالرحمن منيف كان ينتسب الى حزب البعث العربي الاشتراكي منذ شبابه الأول في عمان عندما كان طالباً في الثانوية، ثم في بغداد عندما ذهب اليها لدراسة الحقوق في جامعتها بين عام 1952 وعام 1955. وظل يترقى في الحزب الى أن أصبح عضواً في قيادته القومية في أول الستينات من القرن الماضي. الا أنه سرعان ما اصطدم مع مجموعة من كوادر وقيادات الحزب، بسياسات القيادة التاريخية للحزب، وخرج منه مع زملائه في المؤتمر القومي المعروف بمؤتمر حمص في عام 1962. إلا أن نبرة غير مألوفة من فكره القديم كانت تبرز في بعض مواقفه في المنعطفات التاريخية الحادة. وكانت تبدو لي متعارضة بعض الشيء مع فكره الديمقراطي العقلاني، الاشتراكي الوجهة والاتجاه الذي كان قد تحول اليه منذ وقت مبكر، وصار جزءاً مكوناً من سلوكه اليومي ومن مواقفه الواضحة من الأحداث. وما أكثر المواجهات الجميلة التي كانت تحصل بيني وبينه في تلك اللحظات. وهي مواجهات كان يحكمها ويتحكم بها همنا المشترك في جوانبه السياسية والفكرية. ولذلك فهي لم تحمل معها أي قدر من التأثير في الصداقة العميقة التي كانت تربط بيننا. اذ هي كانت سجالات وجدالات كنا نحترم فيها خيارات ومواقف واجتهادات كل منا، من الموقع الفكري ذاته الذي كنا ننتمي إليه. وكان آخر تلك السجالات والجدالات يدور حول العراق خلال الحرب الأمريكية البريطانية ضد هذا البلد العربي، وفي الفترة التي أعقبت سقوط نظام صدام حسين الاستبدادي. غير أن كتبه السياسية والفكرية التي احتوت على مجمل أفكاره تشير الى عمق التحولات التي حصلت في فكره بعد أن خرج من حزب البعث والتزم بالدفاع عن الديمقراطية كنهج وكوسيلة الى تحقيق النهضة المنشودة في بلداننا.

أما في الأدب، وفي الثقافة عموماً، فإن هاجسنا الأكبر والدائم كان الحرية أولاً، والابداع في ظل الحرية، ومقاومة كل أشكال القمع التي تواجه المثقف وتواجه نتاجه الابداعي. وهي القضية التي كان يعتبرها عبدالرحمن في كتاباته وفي مواقفه وفي مجمل نشاطاته القضية الأولى. وكنت أشاركه فيها مع جمع المثقفين الديمقراطيين في وطننا العربي، الذين كانوا ولا يزالون، ولو بمستويات مختلفة، يتعرضون منذ عقود طويلة للقمع في مجالات حياتهم ونشاطهم وفي التعبير عن أفكارهم وفي ميادين إبداعهم.

علاقتي بعبدالرحمن منيف الروائي لها قصة أخرى، ولأنني في الآداب والفنون لست سوى قارىء ومشاهد ومستمع، فلا أسمح لنفسي بأن أبوح برأيي، حتى لا أبدو متجاوزاً أصول النقد، ومجاوزاً حدودي فيه. ومع ذلك فإنني أشهد بأن عبدالرحمن منيف قد أصبح صاحب مدرسة في العمل الروائي. أقول مدرسة، ولا أعرف ما أصول تكوّن المدارس في هذا الجنس من الأدب. والحقيقة، أنني، في قراءتي لروايات عبدالرحمن، إنما أستمتع بالسرد الروائي المشوّق، وبالحوارات الشائقة التي تساعد القارىء في تلمس ملامح وتفاصيل أبطال الرواية، الاساسيين منهم والهامشيين، الى الحد الذي يبدو فيه هؤلاء الأبطال أناساً حقيقيين، يكاد القارىء يعرفهم من بين الناس حوله، ويكاد يعطيهم أسماءهم الحقيقية. وهذه الميزة في أدب عبدالرحمن الروائي تظهر، بالنسبة الى قارىء مثلي، ملكة رواية متميزة. إلا أنني، وأنا أشير الى هذه الناحية المهمة في سمات عبدالرحمن الروائية، لا أستطيع إلا أن ألاحظ بأنه كان يمعن كثيراً ويسترسل، من دون حاجة الى ذلك في سرد تفاصيل لا أعتقد أن الاستغناء عنها كان سيخل بالرواية وبالسرد الأساسي فيها. وهو الأمر الذي أعطى لرواياته حجماً كبيراً، أشعر، وأنا أقرأ تلك الروايات، أنه حجم غير مبرر. وقد أنفرد في هذا الرأي، نظراً لكون رواياته الملحمية تلقى رواجاً، ويعاد طبعها مرات عدة. لا بأس. وقد عبّرت لعبدالرحمن عن انطباعاتي هذه في أكثر من مناسبة. لكن عليّ أن أشير، بالمقابل، الى أن ملاحمه الثلاث “شرق المتوسط” و”مدن الملح” و”أرض السواد” تشكل نمطاً في الرواية لا أقول إنه غير مألوف، لكنه بالتأكيد غني في دلالاته، فإذا كانت رواية “شرق المتوسط” قد كشفت بشاعة أنظمة الاستبداد والقمع، فإن رواية “مدن الملح” قد ألقت أضواء كاشفة على مرحلة مهمة في تاريخ الوطن العربي الحديث المرتبط باكتشاف النفط.

أما رواية “أرض السواد” فبرغم أنها تحكي قصة مرحلة من مراحل تاريخ العراق في القرن التاسع عشر في ظل حكم داوود باشا، الا أنني لم أستطع أن أستنتج منها ما كان عبدالرحمن يريد ايصاله الى القراء. وقد أخافني التركيز في الرواية، وفي تفاصيل أحداثها، على التمايز بين الزعيم وبين زبانيته. إذ كانت الارتكابات تعزى للزبانية ويتبرأ منها الزعيم. فيبدو الزعيم في تلك الحالة وكأنه في ممارسته للاستبداد كان مستبداً عادلاً، وهو أمر رفضت في نقاشي مع عبدالرحمن القبول به حتى ولو انه جاء في صورة غير مباشرة.

يقول منيف في حديث أجراه معه اسكندر حبش بعد صدور الصيغة الثانية لروايته “شرق المتوسط” حول مشواره في الرواية:

عبدالله
27/04/2004, 06:43 PM
“أعتقد أن المشوار لا يزال طويلاً، وأن هناك رغبة في متابعته من خلال الرواية باعتبارها إحدى أهم الوسائل التي يمكن أن نتعرف، من خلالها، الى الواقع والهموم وربما أيضاً اكتشاف آفاق المستقبل. بعد أن جرّبت العمل السياسي، وبعد أن حرثت في أراضي الآخرين، تبين لي أن مكاني المناسب هو أن أكون روائياً وأن أحرث في الأرض التي أعرفها أكثر من غيرها، خاصة ان الرواية في هذه المرحلة، وبالتحديد في منطقة مثل منطقتنا لا تزال بكراً ويمكن أن تساهم في التعرف وفي اكتشاف احتمالات غير التي قدمها السياسيون والمنظّرون سابقاً. وهكذا نلاحظ أن همّي في المرحلة الحالية هو الكتابة الروائية ومحاولة اكتشاف أساليب وصيغ جديدة للتعبير. ولأن المشوار طويل، أعتقد أن الآفاق والمشكلات تساعد على تقديم صيغ روائية قادرة على التعبير عن المرحلة الراهنة. من الطبيعي أن هذا المشوار سوف يكون بالتضامن والعلاقة مع الروائيين الآخرين. وهذا أحد هموم المرحلة الروائية الراهنة. علينا أن نخلق رواية عربية متميزة بأسلوبها ومناخاتها وهمومها وبالتالي أن تحكي حياة الناس في هذه المرحلة”.

لكن عبدالرحمن حين يتحدث في السياسة كمفكر مستقل فإنه يصبح أكثر وضوحاً في التعبير عن آرائه ومواقفه في كل ما يتصل بقضايا بلداننا وبقضايا البشرية عموماً. وفي حوار أجرته معه مجلة “الحرية” يقول:

“أرى أن هناك ضرورة ملحة لعمل شيئين اثنين: الأول هو القيام بعملية نقد جريئة لكل ما حصل خلال الفترة الماضية. وهذا النقد يجب ألا يعني الآخر، وإنما نقد النفس بالدرجة الأولى، ومعرفة الأخطاء والنواقص والعيوب التي شابت الحالة في المرحلة الماضية. ومن الضروري أن يكون هذا النقد موضوعياً وجريئاً وشاملاً. وبذلك نكون قد بدأنا نسلك الطريق الصحيح. ومن الطبيعي سوف يترتب على ذلك تحديد المسؤوليات والعلاقات والصيغ التي يمكن أن نواجه بها المرحلة الحالية. والشيء الثاني هو أن يعتقد المثقفون ويتأكدوا من أن المشكلة ليست مواجهة سياسية فحسب، وإنما هي عملية رؤية وصياغة للمستقبل. وهذا يقتضي من المثقفين العودة الى الجذور والبدايات ومراجعة المراحل التي مرّت في حياتنا”.

إن أهمية عبدالرحمن منيف الأساسية، الى جانب ما تميّز به أدبه الروائي، انه كان انساناً حراً. كان في كل سلوكه الشخصي والسياسي حريصاً على استقلاليته عن الأنظمة السياسية. ولذلك لم يخضع لضغط هنا ولإغراء هناك. لم يقاتل بغير سلاح النقد من موقعه الديمقراطي المستقل. وإذا كان قد تعذّر عليه، كواحد من كبار جيش المثقفين الديمقراطيين العرب، أن يمارس فعل التغيير، هنا أو هناك، فإن عذره أن مهمة التغيير لا تقع على المثقفين، بل على الحركات السياسية حاملة مشاريع التغيير، التي يشكّل جيش المثقفين عقلها المستنير وضميرها وأداتها الكاشفة والناقدة للخلل في كل ميادينه.

لم يرم الى قتل أحد بسلاح نقده وباستهدافات ذلك النقد. لكن أحداً لم يستطع قتل الروح المناضلة فيه. ذلك هو عبدالرحمن منيف. وتلك هي بعض اشارات روايته التي لم يكتبها بقلمه، والتي قام بمهمة التعبير عنها بصدق، نيابة عنه، مجمل فصول حياته في أبعادها وميادين نشاطه فيها ومراحلها المختلفة.

بقلم: كريم مروة

سعدالسيف
30/04/2004, 08:36 PM
اخ عبدالله شكرا نقل موفق